عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
41
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
على عهدها كذلك ، وكان يلزم أربعة شهور لأعمل ذلك المحضر ، ووضعته أمام أبى الأسوار وقرأته ، فتبسم وقال : إني أنا نفسي أعلم أن قول الكذب لا يتأتى من رجل مثلك وخاصة بمحضري ، ولكن لم يلزم قول ذلك الصدق الذي يتحتم انقضاء أربعة أشهر والإتيان بمحضر بشهادة معارف تلك الديار حتى يقبل منك ؟ ولكن اعلم يا بنى أن للكلام أربعة أنواع : واحد منها غير جدير بالمعرفة والقول ، وآخر جدير بالمعرفة وجدير بالقول أيضا ، وواحد جدير بالقول وغير جدير بالمعرفة ، وآخر جدير بالمعرفة وغير جدير بالقول . أما غير الجدير بالقول والمعرفة فهو الكلام الذي يشين الدين . وذاك الجدير بالقول والمعرفة أيضا هو كلام في صلاح الدين والدنيا ، ينفع في الآخرة وينفع في الدنيا أيضا ، ويكون من قوله وسماعه منفعة للقائل والسامع . وذاك الجدير بالمعرفة وغير جدير بالقول هو الذي يجعل عيب محتشم أو عيب صديق معلوما لك ، أو يظهر لك من طريق العقل أو الدنيا أنه غير شرعي ، لأنك إذا قلته حل عليك غضب ذلك المحتشم ، أو يترتب عليه أذى صديق أو خوف الهياج والاضطراب ، فهذا الكلام جدير بالمعرفة وغير جدير بالقول . وذاك الجدير بالقول وغير جدير بالمعرفة هو الكلام الذي في كتاب الله عز وجل وفي أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وفي كتب العلوم ، وللعلماء في تأويله تعصب واختلاف ؛ لأن القلب إذا لم يهتم بتأويله لم يؤاخذه الله بذلك ، أما عن هذه الأنواع الأربعة التي ذكرتها فأعلاها هو الكلام الجدير بالمعرفة وبالقول أيضا ، ولكل واحد من هذه الأنواع الأربعة من الكلام وجهان : أحدهما حسن والآخر قبيح ، وتحدث على خير وجه كلما تحدثت إلى الناس ليصير قولك مقبولا ويعرف الناس منزلتك ، فإن المرء مخبوء تحت كلامه ، كما يقولون بالعربية ( المرء مخبوء تحت لسانه ) . وقد يكون الكلام إذا قاله أحد الناس ، يكدر سماعه النفس ، ونفس ذاك الكلام يمكن قوله بعبارة أخرى فينعش الروح . حكاية [ رقم 1 ] سمعت أن هارون الرشيد رأى رؤيا ، على تلك الجملة ، إذ تخيل أن جميع أسنانه سقطت من فمه ، فدعا معبّرا في الصباح وسأله عن تعبير تلك الرؤيا ، فقال المعبر : أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، جميع أقربائك يموتون قبلك بحيث لا يبقى أحد بعدك ، فأمر هارون بأن يضربوا المعبر مائة عصا ، قائلا يا كذا وكذا واجهتنى بهذا الكلام المؤلم ، إذا مات جميع أقربائى فمع من أكون حينذاك ؟ وأمر بإحضار معبّر آخر وقص الرؤيا ثانيا ، فقال المعبر إن هذه الرؤيا التي قد رآها أمير المؤمنين تدل على أنه سيكون لمولانا حياة أطول من جميع الأقرباء ، فقال هارون : ( هذا في طريق العقل واحد ) لم يخرج التعبير عن ذلك ، ولكن بين العبارة والعبارة فرق كبير ، وأعطى لهذا الرجل مائة دينار . وسمعت حكاية أخرى ولو أنها غير لائقة بهذا الكتاب ( أما النادرة فلا ترد ) .